الرئيسية ← فاهم ← مشاهد قدرة الله، مع الشيخ محمد سعد الشرقاو…
فاهم

مشاهد قدرة الله، مع الشيخ محمد سعد الشرقاوي

حلقة جديدة من «فاهم» في سلسلة «حدثني عن ربي»، يسأل فيها هلال السيد الشيخ محمد سعد الشرقاوي: ماذا يعني أن الله على كل شيء قدير، وماذا يغيّر ذلك في عبادتنا وفي تعاملنا مع الناس؟

⏱ يُقرأ في ١٦ دقيقة

الخلاصة في سطرين

يأخذ الشيخ محمد سعد الشرقاوي سؤال البقرة ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ من معلومة نحفظها إلى مشاهد تُرى: ثمانية مشاهد للقدرة في كل شيء من الإيجاد إلى الإعادة، ثم التدبير والرزق وإرسال الرسل والحساب والجزاء. وفي النصف الثاني يحوّل المعرفة إلى سلوك: توحيد وتسليم، وختمة للوعود والعقوبات، واستعانة لا تُثمر إلا مع الصدق، وتفريق حاسم بين عجز حقيقي وعجز نتوهمه، ثم يختم بحديث أبي مسعود البدري: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام».

ثمانية مشاهد للقدرة في كل شيء

خريطة الحلقة في ٨ خطوات.

يعدّها الشيخ إجمالًا ثم يفصّلها واحدة واحدة، وينبّه أنها قد تبدو متشابهة وهي مختلفة. «كل شيء» عنده يشمل الذوات والمعاني.

الإيجاد

من العدم: السماوات وما فيها، والأرض وما عليها، والإنسان من ماء مهين.

الإتقان

صنع محكم بلا تفاوت، على غير مثال سابق.

الشيء وضده

الموت والحياة، والليل والنهار، والضحك والبكاء، والعز والذل.

الشيء من ضده

الحي من الميت والميت من الحي، والنار من الشجر الأخضر.

إخراج الشيء عن عادته

عيسى من غير أب، ومعجزات الأنبياء كلها بإذن الله.

تحويل الماهية

العصا تصير حية حقيقة لا تخييلًا، والمسخ عقوبة.

الإفناء

يأتي وقت لا تبقى فيه حياة، وكل شيء هالك إلا وجهه.

الإعادة

يجمع الجسد نفسه بأجزائه المتفرقة، حتى طرف الإصبع.

لمن هذه الحلقة؟

من يقول «مش قادر» عن طاعة أو عن ذنبوقفة طويلة قرب آخر الحلقة تفرّق بين عجز حقيقي فقدتَ أسبابه وعجز صنعته بنفسك أو تتوهمه، وتنتهي بحديث «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز».
من يرى الخراب حوله ويظن أن الأمل انقطعقصة الذي مر على القرية الخاوية، يقرؤها الشيخ على غزة وعلى كل قلب تهدّم، مع شواهد من السيرة لأعداء صاروا من خيار الصحابة.
من يقرأ القرآن ويريد أن يتدبرهاقتراحان عمليان: ختمة بكشكولين للوعود والعقوبات، وسؤال «لماذا جاء هذا الاسم هنا؟» عند خاتمة كل آية.
من له سلطة على من هو أضعف منهالختام موجّه للزوج والأب والمدير: حديث أبي مسعود البدري، وأن الله أقدر عليك منك على من تحت يدك.

الأفكار الرئيسية

السؤال الذي تفتتح به الحلقة: هل تعلم حقًا أن الله على كل شيء قدير؟2:08 ↗
يبدأ الشيخ من آية البقرة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. والجواب السريع «نعلم» ليس هو القضية عنده: القضية هل تعلم بحق قدرة الله، وإن علمت فهل تعمل بهذا العلم؟ لأن الخشية على قدر المعرفة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟﴾ [فاطر: ٢٨]، أي العلماء به، وكلما كان العبد أعلم بربه كان أخشى له.
القدرة صفة ذاتية لا تنفك عن الله، ومعناها أن يوقع أفعاله كما أراد، لا ناقصة عن مشيئته ولا زائدة عليها. ويفرّق الشيخ بين القدرة والقوة بمثال: من قيل له احمل خمسين كيلو فقال لا أقدر فهو عاجز، ومن حملها بالكاد لم يعجز لكنه ضعيف. والله قدير لا يعجز، وقوي لا يضعف، وهذا معنى المتين في ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ثم يعدّد وجوهًا أخرى: قوة مع غلبة ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ﴾ [يوسف: ٢١]، وقوة مع يسر بلا كلفة ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ﴾ [مريم: ٩]، وقوة مع إحاطة ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقدرة مع قهر: ﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. والقهر عنده لا ينفك عن الحكمة والرحمة: قلبك يدق ومعدتك تعمل وأنت مقهور على ذلك رحمة بك.
يطلب الشيخ أن تتخيل الخلق كلهم مجتمعين: الملائكة والإنس والجن، والدول العظمى بسلاحها النووي وذكائها الاصطناعي، ثم تقارن. أولًا: قدرة الله ذاتية، وقوة غيره مكتسبة كانت عدمًا ثم وُهبت. حتى جبريل، وقد رآه النبي ﷺ «له ستمائة جناح» (رواه البخاري عن ابن مسعود، صحيح)، جاء في وصفه ليلة الإسراء: «وجبريل كالحلس البالي من خشية الله» (رواه الطبراني، وصححه الألباني). ثانيًا: قوة الخلق لها حد تقف عنده، وفيروس لا يُرى بالعين أوقف العالم أيام كورونا. ثالثًا: الخلق لا يقدرون إلا بالأسباب، والله ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. رابعًا: لا يحتاج إلى معين: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا﴾ [الكهف: ٥١]. خامسًا: لا يتعب: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ﴾ [ق: ٣٨].
ربط الله الدنيا بأسبابها: الولد يحتاج زوجين أصحاء، والشبع يحتاج أكلًا، والرزق يحتاج سعيًا. والله لا يحتاج سببًا، بل قد يُبقي السبب ويعطّله، بل يجعله يفعل ضد ما خُلق له. كان يمكن أن ينزل المطر فتنطفئ نار إبراهيم، لكن أُوقدت النار وأُلقي فيها وظلت مشتعلة، ثم جاء الأمر: ﴿يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، بردًا وسلامًا معًا، لا بردًا يهلكه. وفرعون يأمر بذبح كل مولود، فيأتي الأمر لأم موسى بأبعد ما يُتوقع: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]، ثم يُحمل الطفل إلى بيت فرعون نفسه، ويتربى تحت عينه، ويدفع فرعون الأجر لأمه لترضعه. ويسمي الشيخ هذا «المشهد المتكامل»: ليس المقصود نجاة طفل، بل مشهد يجمع فرعون وهامان وجنودهما وبني إسرائيل، تُقام فيه الحجة على الجميع، فينجو المؤمنون ويهلك الكافرون.
يورد الشيخ أثرًا عن عمر بن الخطاب رواه ابن بطة في «الإبانة»، وذكر أن إسناده حسن: «القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله». ومعنى قدّر الله الشيء: جعل له مقدارًا يناسب الحكمة من إيجاده. والترتيب: علم، ثم كتابة، ثم مشيئة، ثم إيجاد: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (رواه مسلم، صحيح). والتقدير لا يقف عند الذوات بل يشمل المعاني: كم مرة ستفرح، وكم مرة ستحزن، وكم مرة ستتعب: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍۢ﴾ [القمر: ٤٩].
أول المشاهد الثمانية الإيجاد: «كان الله ولم يكن شيء غيره» (رواه البخاري، صحيح)، ثم أوجد كل شيء. ويقف الشيخ عند آية واحدة: ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، ويقرّبها بأرقام تقريبية ينبّه أنه لا يحفظها بدقة: الشمس على بعد نحو ثماني دقائق ضوئية، أي قرابة مئة وخمسين مليون كيلومتر، وأقرب نجم بعدها على بعد أكثر من أربع سنوات ضوئية، وأبعد ما رُصد من المجرات على بعد يقارب ثلاثة عشر مليار سنة ضوئية، وهذا كله في الكون المرئي وحده. ثم يعود إلى الإنسان: كان ماءً مهينًا، فصار بعد تسعة أشهر أجهزة كاملة: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
بعد الإيجاد يأتي الإتقان، والبديع هو الذي أنشأ الشيء على غير مثال سابق. ثم أن يخلق الشيء وضده: الموت والحياة، والليل والنهار، والضحك والبكاء. ثم أن يُخرج الشيء من ضده: الحي من الميت، والنار من الشجر الأخضر: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا﴾ [يس: ٨٠]. ثم إخراج الشيء عن عادته: عيسى من غير أب، ومعجزاته كلها كانت بإذن الله لا بقدرته هو. ثم تحويل الماهية نفسها: عصا موسى صارت حية تسعى حقيقة، أما السحرة فلم يغيّروا شيئًا، بل لعبوا بالتصور: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦]. ومنه المسخ عقوبة.
سابع المشاهد الإفناء: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾ [القصص: ٨٨]. وثامنها وأعظمها الإعادة. ويصحّح الشيخ تصورًا كان عنده صغيرًا: أن الله سيخلق لنا أجسادًا أخرى. بل يجمع هذا الجسد نفسه بأجزائه المتفرقة: ﴿بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ [القيامة: ٤]، والبنان طرف الإصبع. وفي الحديث رجل أسرف على نفسه فأوصى بنيه أن يحرقوه ويطحنوه ويذروه في الريح، «فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم»، فلما سأله قال: «يا رب خشيتك، فغفر له» (رواه البخاري، صحيح). وفي الحديث القدسي: «وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» (رواه البخاري، صحيح).
يسأل هلال السيد عن ختام سورة الطلاق: لماذا اقترن تنزّل الأمر بالقدرة؟ ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾ [الطلاق: ١٢]. والجواب: الله يدبّر أمر كل خلقه في اللحظة نفسها، ولا يشغله مخلوق عن مخلوق، وأوضح أمثلته الرزق، ماديًا كان أو إيمانًا وعلمًا وهدى. ومن لطفه أنه لا يعطي الرزق دفعة واحدة حتى لا يفسد، بل شيئًا فشيئًا ليربي عباده: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]. والأب الذي عنده أربعة أولاد أو خمسة يرهقه القيام عليهم، فكيف بمن يقوم على الخلق كلهم؟
من قدر الله حق قدره علم أنه لا يترك الخلق سدى: ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ﴾ [الأنعام: ٩١]، و﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ﴾ [فاطر: ٢٤]. ويذكر الشيخ حديث أبي ذر في أن الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا والرسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر، وهو صحيح عند الألباني في المشكاة، وفي ثبوته خلاف بين العلماء. ثم يلاحظ هلال السيد أن الآيات المختومة بالقدرة يظهر معناها بعد الشرح، فيوصي الشيخ: خواتيم الآيات بالأسماء الحسنى لم تُختر إلا لتعبّر عن مدلول الآية، فمن أراد التدبر فليسأل: لماذا جاء هذا الاسم هنا؟
يبعث الله الخلق لا للبعث وحده بل للحساب والجزاء: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وتختلف هيئات الحشر: لما سُئل النبي ﷺ كيف يُحشر الكافر على وجهه قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (رواه البخاري، صحيح)، و«يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال» (رواه الترمذي، حسن). وحتى البهائم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (رواه مسلم، صحيح). علم الله ما جرى بين النمل والسباع والخراف، فضلًا عما جرى بين الظالم والمظلوم: ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ﴾ [الزمر: ٦٧].
آخر من يدخل الجنة يقول الله له: «أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها»، فيقول: «يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين»، فيأتيه الجواب: «إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر» (رواه مسلم، صحيح)، وفي رواية أخرى عند مسلم: «فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها». فإذا قرأت أوصاف الجنة واستبعدها عقلك فتذكّر هذا الجواب، ومنها: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا» (رواه مسلم، صحيح). والعذاب كذلك: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ﴾ [الحج: ١٩]، و«ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (رواه البخاري، صحيح)، و«ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد» (رواه مسلم، صحيح).
يسأل هلال السيد عن حدود قدرتنا نحن، فيجيب الشيخ بمثل سورة الحج: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ﴾ [الحج: ٧٣]. لو اجتمع الخلق من أولهم إلى آخرهم ما خلقوا ذبابة، ولو سلبتهم شيئًا ما استنقذوه. ولذلك في دعاء الاستخارة: «فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم» (رواه البخاري، صحيح). لا تقدر أن تسمع إلا ما أسمعك الله، ولا أن تفهم إلا ما أفهمك: الجنازة إذا حُملت تتكلم، و«يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق» (رواه البخاري، صحيح)، فالصوت موجود والله لم يقدرك على سماعه.
يسأل هلال السيد: ماذا بعد الإيمان بالقدرة؟ وأعظم أثر عند الشيخ أن تعبد الله وحده: إذا كان الخلق كلهم مقهورين تحت أمره لا يقدرون إلا على ما أقدرهم عليه، فلمن تخضع؟ وهي حجة يوسف على صاحبي السجن: ﴿يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. والأثر الثاني التسليم: سورة البقرة عنده سورة التسليم، والآية التي بدأت بها الحلقة جاءت في سياق النسخ. ومن يرد الحكم الشرعي بحجة أننا في سنة ٢٠٢٦ وأن الظروف تغيّرت ينسى أن الله بقدرته جعل الشريعة الخاتمة صالحة لكل زمان ومكان وهو يعلم ما سيأتي من تغيّر: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
يقترح الشيخ ختمة كاملة بكشكولين: واحد للوعود الإلهية، وآخر للعقوبات الربانية. والمنطق بسيط: تطمئن لوعد أحد إذا اجتمع فيه أمران: الصدق والقدرة، والله لا أصدق منه ولا أقدر: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. ولما شكا الصحابة في مكة شدة المشركين قال النبي ﷺ: «والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري، صحيح).
وفي المقابل يرعبك الوعيد: عاد اغترّت بقوتها، و﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، وقوم عاد أُهلكوا بالريح وحدها. ويقف الشيخ عند آية يقول إنها ترعبك: ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]. بل قد يجعل الله مصدر السعادة نفسه أداة عذاب، كالمال والولد في شأن المنافقين، ويحذّر المؤمنين أنفسهم من أن يستبدل الله قومًا غيرهم إن تولّوا.
تزرع القدرة في القلب الخوف والرجاء معًا، فالمؤمن يسير إلى الله بهما، ولا مكان فيها لليأس. ويقف الشيخ عند الذي مر على قرية خاوية على عروشها فقال: ﴿أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فأماته الله مئة عام ثم بعثه، وأحيا حماره أمام عينيه، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ويقول إنه تذكّر بها غزة، وكل بيت إيمان أو أسرة تهدّم: الذي يحيي القرية بعد موتها قادر أن يحيي قلبك. وشواهده من السيرة: عمر الذي كان يعذّب المستضعفين ثم أسلم، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان، وعمرو بن العاص الذي قال: «لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني» (رواه مسلم، صحيح)، و﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةًۭ ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌۭ﴾ [الممتحنة: ٧].
«لا حول ولا قوة إلا بالله» كنز من كنوز الجنة (رواه البخاري، صحيح)، ومعناها أن المؤمن يوقن أنه لا قوة له إلا إذا أمده الله. ومن هنا وصية النبي ﷺ لمعاذ: «لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أبو داود، صحيح). حتى رفع جنبك عن الفراش لا تقدر عليه إلا بالله: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه» (رواه أبو داود، صحيح). وقصتان متقابلتان: سليمان عليه السلام لم يقل «إن شاء الله» فلم تلد من نسائه إلا امرأة واحدة نصف إنسان (رواه البخاري، صحيح)، ويأجوج ومأجوج لا يخرقون السد إلا يوم يقولون «إن شاء الله» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني، وفي رفعه خلاف). ودرس صاحب الجنتين: ﴿قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].
يسأل هلال السيد: لماذا يستعين العبد ولا يجد الثمرة؟ والجواب في الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» (رواه البخاري، صحيح). فالناس إما ولي للرحمن أو ولي للشيطان، وأولياء الرحمن يتفاوتون. وعكس المعونة التثبيط: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، عقوبة لأنهم لم يريدوا الخروج بصدق. ومن هنا الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (رواه الترمذي، حسن)، و«من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه» (رواه البخاري، صحيح).
يسأل هلال السيد عمن يقول «الدنيا خربانة» فيترك الدعوة وكل شيء. فيقلب الشيخ السؤال: هل نحن عاجزون أم نتوهم العجز؟ من يقول «مش قادر أصلي» أو «مش قادر أغض بصري» ليس عاجزًا في الحقيقة. ويستشهد بحديث: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل» (رواه أبو داود، وهو ضعيف عند الألباني، والشيخ نفسه نبّه على الخلاف في تصحيحه). والعجز نوعان: حقيقي فقدتَ أسبابه كالمريض يصلي قاعدًا، وعجز صنعته بنفسك كمن أقرض بلا شهود ولا ورقة ثم ضاع حقه. والكيس أن تفعل كل سبب مستطاع، كما فعل ذو القرنين حين أشرك القوم معه في العمل: ﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥].
الذين قالوا ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ رُدّ عليهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، فقد كانوا يتوهمون الاستضعاف. وفي الحديث: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.. وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (رواه أبو داود، صحيح). فالمطلوب أن تكون على ثغرك أقوى ما يكون، ويستحضر الشيخ ثبات جعفر بن أبي طالب في مؤتة، وأنس بن النضر في أحد.
يختم هلال السيد بسؤال: كيف تقف معرفة قدرة الله حاجزًا بيننا وبين ظلم الناس؟ فيروي الشيخ قصة أبي مسعود البدري وهو يضرب غلامه، فسمع صوتًا من خلفه، فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (رواه مسلم، صحيح)، فأعتقه لوجه الله. ويوجّهها الشيخ لكل زوج وأب ومدير ومسؤول غرّته قوته على الضعيف. وفي الحديث: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (رواه ابن ماجه، حسن)، وقال ﷺ لعثمان بن أبي العاص لما جعله إمام قومه: «واقتد بأضعفهم» (رواه أبو داود، صحيح). ولما تهيّب المسور بن مخرمة أن ينادي النبي ﷺ لأبيه قال له أبوه: «يا بني إنه ليس بجبار» (رواه البخاري، صحيح).

كيف تعيشها في يومك

خطواتك أنت، كل خطوة موصولة بدقيقتها.

  • كلما انتهت آية باسم من أسماء الله، اسأل نفسك: لماذا جاء هذا الاسم هنا؟ فالخاتمة تعبّر عن مدلول الآية 1:01:23 ↗
  • افتح المصحف ومعك كشكولان: واحد تكتب فيه كل وعد إلهي، وآخر لكل عقوبة، واجعلها ختمة كاملة 1:21:17 ↗
  • قل دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» 1:43:49 ↗
  • عند النوم قل: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه»، واستحضر أنك لا ترفع جنبك إلا بالله 1:45:31 ↗
  • إذا رأيت نعمة في بيتك أو مالك فقل ﴿مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾، وإذا وعدت بشيء غدًا فقل «إن شاء الله» 1:50:59 ↗
  • قبل أن تقول «مش قادر» عن صلاة أو غض بصر، اسأل: هل هو عجز حقيقي فقدتُ أسبابه، أم عجز صنعته بنفسي؟ 1:56:45 ↗
  • خذ بالأسباب في معاملاتك قبل أن تتوكل: لا تُقرض أحدًا بلا شهود أو ورقة مكتوبة 2:00:39 ↗
  • إذا قويت على زوجة أو ولد أو موظف تحت يدك، فتذكّر: «لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» 2:14:02 ↗
مذكور في الحلقة (١٤)
  • أثر عمر «القدر قدرة الله» · رواه ابن بطة في الإبانة، وذكر الشيخ أن إسناده حسن · ٢٥:٣٣
  • حديث «كتب الله مقادير الخلائق» · رواه مسلم (٢٦٥٣)، صحيح · ٢٦:٢٣
  • حديث الرجل الذي أوصى بحرقه · رواه البخاري (٣٤٨١) ومسلم، صحيح · ٤٨:١٩
  • حديث «كذبني ابن آدم» · رواه البخاري (٤٩٧٤)، صحيح · ٥٢:٢١
  • حديث أبي ذر في عدد الأنبياء والرسل · رواه أحمد، صحيح عند الألباني في المشكاة، وفي ثبوته خلاف · ٥٩:٤٩
  • حديث آخر أهل الجنة دخولًا · رواه مسلم (١٨٦، ١٨٧)، صحيح · ١:٠٦:١٩
  • حديث خيمة اللؤلؤة المجوفة · رواه مسلم (٢٨٣٨)، صحيح، ولفظه «طولها ستون ميلا» · ١:٠٧:١٢
  • حديث الاستخارة · رواه البخاري (١١٦٦)، صحيح · ١:١٢:٤٩
  • حديث خبّاب «ولكنكم تستعجلون» · رواه البخاري (٣٦١٢)، صحيح · ١:٢٣:١٤
  • قول ابن القيم في التوفيق والخذلان · كتاب الفوائد · ١:٤٤:٠٣
  • حديث «إن الله يلوم على العجز» · رواه أبو داود (٣٦٢٧)، ضعيف عند الألباني، وأشار الشيخ إلى من حسّنه · ١:٥٨:٠٨
  • حديث «المؤمن القوي خير» · رواه مسلم (٢٦٦٤)، صحيح · ٢:١١:٣٦
  • حديث أبي مسعود البدري · رواه مسلم (١٦٥٩)، صحيح · ٢:١٣:٢٠
  • حلقات «مشاهد عظمة الله» و«مشاهد رحمة الله في الدنيا» و«مشاهد رحمة الله في الآخرة» · الحلقات السابقة في سلسلة حدثني عن ربي مع الشيخ نفسه

اقتباسات تستحق الحفظ

"الله قهرك على أشياء رحمة بك: مين منا بيدّي أمر للمعدة إنها تشتغل؟"
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 11:57 ↗
"ما فيش عند ربنا حاجة اسمها مستحيل، ما فيش عند ربنا حاجة اسمها ما أقدرش."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 16:29 ↗
"حد بيوعدك، إمتى تبقى مطمّن؟ لما يكون صادق وقادر، والله لا أصدق منه ولا أقدر منه."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:21:52 ↗
"لما ربنا يوعدك في القرآن، ثق تمامًا إن الوعد متحقق، وإنه إن تخلّف فالإشكال فيك إنت."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:22:08 ↗
"خف من لا يحتاج عونًا عليك، بل لو شاء لأهلكك بيديك."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي · يستشهد بمقولة مأثورة 1:30:05 ↗
"ربنا مش محتاجنا والله، إحنا اللي محتاجين في كل نفس رحمة ربنا."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:33:28 ↗
"أجمع العارفون بالله على أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك."
ابن القيم · نقله الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:44:03 ↗
"على قدر الولاية تكون المعونة."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:52:56 ↗
"هل نحن عاجزون، ولا إحنا نتوهم العجز؟ هل نحن مستضعفون، ولا نعيش وهم الاستضعاف؟"
الشيخ محمد سعد الشرقاوي 1:56:45 ↗
"فرق كبير جدًا بين منهج السلامة وسلامة المنهج."
الشيخ محمد سعد الشرقاوي · يستشهد بمقولة مأثورة عن مشايخه 2:07:45 ↗
"اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلاَمِ"
النبي ﷺ · رواه مسلم، صحيح، نقلًا عن الشيخ محمد سعد الشرقاوي 2:13:39 ↗

الموجز ده كان مفيد؟

النشرة

متفوّتش أي موجز جديد.

اشترك، ونبعتلك كل موجز جديد أول ما ينزل على إيميلك. من غير إزعاج.

بنحترم خصوصيتك، تقدر تلغي الاشتراك في أي وقت.
تمام! سجّلنا إيميلك، هنكلّمك أول ما ينزل موجز جديد.
هذا الموجز من إنتاج «موجز» بالذكاء الاصطناعي مع مراجعة تحريرية بشرية، وهو دعوة للاستماع لا بديل عنه.
كل الحقوق للمصدر الأصلي: الحلقة كاملة على قناة فاهم ↗
💡 اقترح حلقة