فاهم
سلسلة رحلة الخلود (٢): حياة القبر، مع د. أحمد العربي
الحلقة الثانية من سلسلة رحلة الخلود في «فاهم» مع د. أحمد العربي: ماذا يحدث للإنسان من لحظة دفنه حتى يخرج من قبره، وكيف يستعد لذلك من الآن؟
⏱ يُقرأ في ١٤ دقيقة
الخلاصة في سطرين
انتهت الحلقة الأولى عند نزول الميت إلى قبره، وتبدأ هذه من هناك. القبر أول منازل الآخرة: ظلمة وضيق ووحشة وتجرّد من كل شيء إلا العمل، ثم أول ليلة، وضمة لا ينجو منها أحد، وسؤال الملكين الذي كان كل ما قبله تمهيدًا له. يرسم د. أحمد العربي المشهد من الأحاديث، ثم ينتقل إلى ما بيدنا الآن: أسباب النعيم (الاستعاذة، والعمل الصالح، وحسن الخاتمة)، وأسباب العذاب (البول، والنميمة، والكذب، والربا، والزنا، والدَّين، والنياحة، والغلول)، ومن يُوقى فتنة القبر. وخلاصتها: القبر صندوق العمل، وكل ركعة الآن تُدّخر لظلمته.
الإطار المركزي: ما يمر به الميت في قبره
خريطة الحلقة في ٦ خطوات.
كل ما قبل سؤال الملكين تمهيد له، والحاكم في كل مرحلة بعده هو العمل.
السكرة، بداية القيامة الصغرى
يغيب العقل ويحكم القلب، ويُغلق باب التوبة.
الدفن وانصراف الأحبة
ظلمة وضيق ووحشة، ويسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون.
الضمة
لا ينجو منها أحد: تُرخى عن المؤمن، وتختلف بها أضلاع الفاجر.
سؤال الملكين
من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يثبّت الله من يشاء، والعمل يحرس صاحبه.
المقعدان
يرى المؤمن مقعده من النار ثم من الجنة، ويرى الفاجر العكس.
الرفيق حتى البعث
عمله في صورة رجل يؤنسه أو يسوؤه، حتى ينشق القبر.
لمن هذه الحلقة؟
مَن يمشي في الجنازة ثم يكمل يومه كأن شيئًا لم يكن
مَن يتكاسل عن ركعتين بالليل
مَن يريد أن يعرف أسباب عذاب القبر ليتجنبها
مَن تابع الحلقة الأولى عن الموت
الأفكار الرئيسية
القيامة الصغرى والقيامة الكبرى3:28 ↗
في تقسيم العلماء، القيامة الصغرى أو البرزخ تبدأ بالاحتضار، وتشمل الموت والغسل والتكفين والجنازة ودخول القبر ومدّته كاملة حتى يخرج الإنسان منه: ﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. ثم القيامة الكبرى من قيام الناس من قبورهم حتى دخول الجنة أو النار. والصغرى دار امتحانات وابتلاءات وأسئلة، والحاكم فيها الإيمان.
أول القيامة الصغرى: السكرة4:51 ↗
﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. وسُمّيت سكرة لأن العقل يغيب فيها، فالذي يحكم ما ينطق به الإنسان ويجيب به حينها هو القلب والإيمان، لا العقل. ولذلك لا تُقبل عندها التوبة: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (رواه الترمذي، حسن). وتنكشف له أمور غيبية كان يسمع عنها: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ﴾ [ق: ٢٢]، فيرى الملائكة ويرى مقعده.
الثبات لا يأتي بالذكاء6:39 ↗
النطق بالشهادة عند الموت ليس كلمة تحفظها، ولو كان بالعقل لقالها كل أحد. ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]: عند الأزمات في الدنيا، وعند السكرات، وعند سؤال الملكين. كم من ذكي فطن يُحال بينه وبين أن يجيب، ومن لا يُحسن الكلام في الدنيا يجيب بقلبه. ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ بعد التشهد من فتنة المحيا والممات، وفتنة الممات عنده أن يأتي الشيطان ليُسيء ظن العبد بربه أو يُقنطه من رحمته، والعلاج: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ» (رواه مسلم، صحيح). ودخل النبي ﷺ على شاب يموت فقال: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» فقال: «إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي»، فقال: «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (رواه الترمذي، حسّنه الألباني).
المحمول على النعش: أنا وأنت9:30 ↗
الإيمان بالقبر وما فيه من الإيمان باليوم الآخر، ومن لا يعلم ما سيحدث فيه ولا يتجهز له فإيمانه ناقص. ومشكلتنا أننا نحمل الجنازة ونظنها لميت نسلّمه ونرجع نكمل حياتنا، والمحمول في الحقيقة هو أنا وأنت. ويحكي أن الحسن البصري سُئل في جنازة: مَن الميت؟ فقال: هذا أنا وأنت. ولهذا شُرعت زيارة القبور: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (رواه الترمذي، صحيح)، فالوقوف على القبر ليس موقف سلام وتعزية فقط، بل موقف تذكّر واعتبار. وفي رواية ابن ماجه عن البراء أن النبي ﷺ كان في جنازة «فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى ثُمَّ قَالَ يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» (حسّنه الألباني، وضعّفه شعيب الأرنؤوط). ﴿أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١، ٢]: شقة أوسع، وعربية أرقى، وأرباح أكثر، حتى تقف على المقابر فتعلم أن هذا المال ليس لك، يتمتع به غيرك، وتلقى أنت عملك.
القبر صندوق العمل13:30 ↗
لو كنت في القبر الآن لتمنيت أن ترجع لتصلي ركعتين فقط. أشار النبي ﷺ إلى قبر فقال: «ركعتانِ خفيفتانِ مما تحقرونَ وتنفلونَ يزيدهُما هذا، يشيرُ إلى قبرٍ، في عملهِ أحبُّ إليهِ من بقيَّةِ دُنياكُم» (رواه ابن المبارك في الزهد، وصححه الألباني بمجموع طرقه). القبر صندوق العمل: كل عمل تعمله الآن يُرسل إلى هناك وينتظرك، و«يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (متفق عليه). ولذلك فكل ركعتين بالليل تتكاسل عنهما تدّخرهما لظلام القبر: عبادة في الظلام تضيء لك ظلام القبر.
قصة من موريتانيا: «وداعًا أخلائي»19:20 ↗
يحكي د. أحمد العربي أنه أراد في موريتانيا زيارة عالم معاصر، فقيل له إن الشيخ لم يعد يقابل الناس: منذ سنة كان جالسًا بين طلابه والأمور مستقرة، فقام عنهم، ولما كاد يخرج من باب المسجد التفت إليهم وقال: «وداعًا أخلائي إلى غير رجعتي، دنت في ثرى إحدى المقابر ضجعتي». فأبى أن يغادر البلد حتى يراه، فوقف معه لحظات وسمع منه كلمتين. ثم علم أنه عاد إلى التدريس بعدها، لكنها كانت حالًا: استحضار هذه الأحوال يُخرج من المرء قلبًا آخر وتعلقًا بالله آخر.
حين ذكر النبي ﷺ فتنة القبر ضجّ المسلمون21:38 ↗
قالت أسماء بنت أبي بكر: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً» (رواه البخاري، صحيح). وعند النسائي أن الضجة حالت بينها وبين فهم آخر كلامه، فسألت رجلًا قريبًا منها، فأخبرها أنه قال: «قَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» (رواه النسائي، صحيح). وقال ﷺ: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» (رواه الترمذي، حسن). وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبلّ لحيته، فلما سُئل قال إن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ» (رواه الترمذي أيضًا، حسن).
مساكننا الحقيقية24:47 ↗
القبور هي مساكننا الحقيقية: كلما عمرناها بالطاعات دخلناها بقلوب مستبشرة، وكلما خرّبناها بالمعاصي دخلناها خائفين. وينقل جوابًا مأثورًا يُنسب لأبي حازم سلمة بن دينار حين سُئل: لماذا نكره الموت؟ «لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب». نبحث في الدنيا عن أحسن لبس وطعام ومسكن ووظيفة، ولا نضيء المسكن الذي سنسكنه رغمًا عنا. والناس فيه على قدر أعمالهم: منهم من يُفسح له «سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ» (رواه الترمذي، حسن)، ومنهم الأوسع ومنهم الأضيق.
ظلمة لا تشبه أي ظلام27:38 ↗
أول صفات القبر الظلمة: ليست ظلام ليلٍ فيه قمر أو ضوء هاتف، بل ظلام دامس. لما ماتت المرأة التي كانت تقمّ المسجد صلى النبي ﷺ عليها عند قبرها ثم قال: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِي عَلَيْهِمْ» (رواه مسلم، صحيح). ويقف عند لفظ «مملوءة»: الظلام من شدته طبقات بعضها فوق بعض حتى امتلأ. ويتمنى لو استحضر كل إنسان مشهد القبر ولو خمس دقائق، في مكان ليس فيه ذرة نور.
ضيق ووحشة وتجرّد30:27 ↗
نختنق إذا حُبسنا في مصعد ومعنا ناس، والقبر أضيق منه بكثير. وهو موحش: في الدنيا يؤنسك في المكان الضيق طعام أو إنسان أو كتاب أو هاتف، وفي القبر لا شيء يؤنس. ومن ألمه النفسي أن أقرب الناس لا يقفون على قبرك إلا ساعة أو ساعتين ثم ينصرفون وأنت تسمعهم: «وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» (رواه البخاري، صحيح). ثم التجرّد التام: الهاتف الذي لا تتخيل أن تغلقه، وثيابك وزوجتك وأولادك وبيتك ومالك ووظيفتك، كله متروك، وتذهب إلى مكان ضيق تبدأ فيه حياتك الحقيقية.
القبور تسوّي بين الناس، ولا تسكت37:01 ↗
دخل بعضهم المقبرة ليرقّ قلبه فقال: «أتيت القبور فناديتها: فأين المعظَّم والمحتقر؟»، فسمع من يجيبه: «تفانوا جميعًا فما مخبر، وماتوا جميعًا ومات الخبر». من كان يقول «إنت عارف أنا مين؟» هو الآن ميت لا فرق بينه وبين غيره، وما كان يتعاظم به في الدنيا قد يُعذَّب به في قبره. والقبور مع صمتها الظاهر ليست ساكنة: «لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (رواه مسلم، صحيح)، أي لو سمعتم ما قدرتم على دفن موتاكم.
أول ليلة في القبر أهم ليلة42:21 ↗
أول ليلة في القبر هي الليلة التي يتحدد بعدها حاله: إن كانت طيبة نعم حتى يخرج من قبره، وإن كانت مريرة كان ما بعدها مريرًا. ويقرّبها: إذا كنت لا تنام ليلة تبيتها بعيدًا عن سريرك، فكيف بأول ليلة في التراب والضيق والوحشة؟
ضمة القبر لا ينجو منها أحد45:37 ↗
سعد بن معاذ «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (رواه البخاري، صحيح)، ومع ذلك قال النبي ﷺ عند دفنه: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» (رواه النسائي، صحيح)، و«لو نجا أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ، لنجا سعدُ بنُ معاذٍ، ولقدْ ضُمَّ ضمةً، ثُمَّ رُوخِيَ عنه» (رواه الطبراني عن ابن عباس، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٥٣٠٦). ويشبّهها للمؤمن بضمة الأم الحانية لرضيعها، أما الفاجر فيُضيَّق عليه قبره «حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ» (رواه أبو داود، صحيح).
سؤال الملكين: كل ما سبق تمهيد له49:22 ↗
الغسل والتكفين والصلاة والدفن والوقوف على القبر، كله تمهيد للحظة واحدة: سؤال الملكين. ولا تتخيلهما في ثياب بيضاء ووجوه جميلة: «أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ» (رواه الترمذي، حسن)، ويصف د. أحمد العربي إقعادهما له بشدة وانتهار. والعجيب حال المؤمن: «إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ مُثِّلَتِ الشَّمْسُ لَهُ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي» (رواه ابن ماجه، حسن). لم يشغله الملكان ولا الظلمة ولا الحفرة، همّه ألا تفوته الصلاة. وفي رواية لأبي هريرة يحرسه عمله: «فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ»، فيُؤتى من كل جهة فيقول العمل الذي عندها: «مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ» (رواه ابن حبان والحاكم، وحسّنه الألباني).
مقعدان، ثم نومة العروس55:35 ↗
فإذا أجاب: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، قيل له: «انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري، صحيح). يرى مكانه لو عصى ليعرف قدر ما نجا منه، ثم يُفرش من الجنة ويُلبس منها. فيقول: «أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ»، فيقال له: «نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إِلاَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ» (رواه الترمذي، حسن).
الفاجر: «لا أدري»1:01:40 ↗
يُسأل الفاجر: من ربك؟ فيقول: «هَاهْ هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي» (رواه أبو داود، صحيح)، أو: «سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ» (رواه الترمذي، حسن). قضى حياته متشتتًا، لا مع القرآن ولا مع السنة، فلم يُثبَّت. فيقال له: «لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ» (رواه البخاري، صحيح)، ثم «يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا» (رواه أبو داود، صحيح). ثم تُفتح له فرجة قبل الجنة: «انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ» (رواه ابن ماجه، صحيح). ويُعلَّق في الحلقة بأن هذه الرؤية وحدها عذاب، ثم يأتي السؤال: هل تساوي هذه اللحظة نظرة حرام أو مالًا حرامًا؟
عملك رفيقك حتى تقوم الساعة1:07:15 ↗
لا يقضي المؤمن مدته وحده: يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يبشّره، فإذا سأله: من أنت؟ قال: أنا عملك الصالح. ويأتي الفاجر رجل قبيح الوجه منتن الريح يقول: أنا عملك الخبيث. يظل هذا الرفيق معه حتى يخرج من قبره، ولذلك يدعو المعذَّب ألا تقوم الساعة، لعلمه أن ما بعدها أشد. (من حديث البراء بن عازب الطويل في مسند أحمد، وصححه الألباني في أحكام الجنائز)
أول أسباب النجاة: الاستعاذة1:12:19 ↗
قالت عائشة رضي الله عنها: «فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلاَةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (رواه البخاري، صحيح). ويُسنّ بعد كل تشهد: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم، صحيح). ويُروى عن طاوس أنه قال لابنه لما لم يدعُ بها في صلاته: «أَعِدْ صَلاَتَكَ» (ذكره مسلم في صحيحه بلاغًا). ومن دعائه ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ» (رواه مسلم عن زيد بن أرقم، صحيح). ثم الإكثار من العمل الصالح، وسؤال الله حسن الخاتمة.
سبب يسير قد يعذّب الصالح1:15:24 ↗
أناس يصلون ويصومون ويتصدقون، ثم يُعذَّبون لسبب يسير جهلوه. مرّ النبي ﷺ بقبرين فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (رواه البخاري، صحيح)، وفي رواية: «بَلَى»، أي إنه كبير. و«أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ» (رواه ابن ماجه، صحيح). والتنزه من البول ثلاثة: الاستتار عن الناس، وصيانة الثياب من رشاشه، والاستبراء فلا يعجل بالقيام. والنميمة: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (متفق عليه).
رؤيا سمرة: أربعة مشاهد1:18:29 ↗
في حديث سمرة بن جندب رأى النبي ﷺ في منامه رجلًا يُشدخ رأسه بصخرة ثم يعود كما كان، وآخر يُشقّ شدقه إلى قفاه، ورجلًا يسبح في نهر من دم يُلقم حجرًا كلما أراد الخروج، ورجالًا ونساءً عراة في مثل التنور. ثم فُسّرت له: الأول «الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ»، والثاني «الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ»، والسابح «آكِلُ الرِّبَا»، وأهل التنور «الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي» (رواه البخاري، صحيح)، وفي رواية: «فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». ويقف عند الكذبة التي تبلغ الآفاق: من يطلق إشاعة ويفرح بأن الناس تتكلم عنه، والكذب عنده لا يجوز حتى مزاحًا.
الدَّين والنياحة1:24:57 ↗
ومن الأسباب الدَّين: «إِنَّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ» (رواه ابن ماجه، صحيح)، و«نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (رواه الترمذي، صحيح). والنياحة: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (متفق عليه). فكيف يُعذَّب بذنب غيره، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤، وغيرها]؟ القيد عند أهل العلم: إذا كان النوح من سنّته، يُقرّه ولا ينكره، كما كان بعض العرب يقول: «إذا متُّ فانعيني بما أنا أهله، وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد».
من يُوقى فتنة القبر1:26:49 ↗
أصناف ينجّيهم الله من الفتنة الأولى في القبر، من سؤال وامتحان وضمة، بشرط أن تكون أعمالهم صالحة، ويُوضَّح في الحلقة أن ذلك غير ما يترتب على أعمالهم بعدها. الشهيد، ومن خصاله أنه «وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (رواه الترمذي، صحيح)، ولما سُئل النبي ﷺ عن ذلك قال: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» (رواه النسائي، صحيح). ومن مات يوم الجمعة أو ليلتها: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (رواه الترمذي وقال: ليس إسناده بمتصل، وحسّنه الألباني). ومن قتله بطنه: «مَنْ يَقْتُلْهُ بَطْنُهُ فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ» (رواه النسائي، صحيح)، ويفسّره بكل داء باطني.
إلا الحقوق1:30:31 ↗
ومن أسباب العذاب الغلول. أصاب سهمٌ مِدْعَمًا غلام النبي ﷺ، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال ﷺ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا»، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: «شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» (رواه البخاري، صحيح). قطعة قماش يسيرة، لكن الحقوق لا يُتسامح فيها، ولو عود سواك.
ثم ينشق القبر1:33:58 ↗
يبقى الناس في قبورهم حتى النفخة الثانية، وهي بداية القيامة الكبرى، وأول من ينشق عنه القبر النبي ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (رواه مسلم، صحيح). ثم يخرج الناس: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً»، فقالت عائشة: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» (رواه البخاري، صحيح). ويخرجون على أحوال كثيرة، تفصيلها في الحلقة القادمة.
كيف تعيشها في يومك
خطواتك أنت، كل خطوة موصولة بدقيقتها.
- في كل جنازة تمشي فيها، تخيّل أنك أنت المحمول، وزُر القبور لتتذكر الآخرة لا لتؤدي واجب العزاء وتنصرف 11:57 ↗
- اجلس خمس دقائق في مكان ليس فيه ذرة نور، واستحضر صفة القبر 28:30 ↗
- كلما تكاسلت عن ركعتين بالليل، تذكّر أنك تدّخرهما لظلام القبر 59:49 ↗
- بعد التشهد الأخير قل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم، صحيح) 1:12:56 ↗
- تنزّه من البول بثلاثة: استتر عن الناس، واحفظ ثيابك من رشاشه، ولا تعجل بالقيام حتى تستبرئ 1:16:37 ↗
- أمسك لسانك عن النميمة، ولا تطلق إشاعة، ولا تكذب ولو مازحًا 1:23:25 ↗
- اقضِ ديونك ولا تترك دينًا معلّقًا بعدك 1:25:02 ↗
- لا تُقرّ النياحة ولا تحبها، فالميت يُعذَّب ببكاء أهله إذا كان النوح من سنّته 1:25:52 ↗
- لا تستحلّ حقًا لأحد مهما صغر، ولو عود سواك 1:33:00 ↗
مذكور في الحلقة (١١)
- الحلقة الأولى من السلسلة: الموت · انتهت عند نزول الميت إلى قبره، ومنها تبدأ هذه الحلقة
- حديث عثمان «القبر أول منازل الآخرة» · رواه الترمذي (٢٣٠٨)، حسن · ٢٣:١٢
- حديث أنس في سؤال القبر وقرع النعال · رواه البخاري (١٣٧٤)، صحيح
- حديث أبي هريرة في المنكر والنكير ونومة العروس · رواه الترمذي (١٠٧١)، حسن
- حديث البراء بن عازب في سؤال القبر · رواه أبو داود (٤٧٥٣)، صحيح، والرواية الأطول عند أحمد
- حديث «مثلت الشمس له عند غروبها» · رواه ابن ماجه (٤٢٧٢)، حسن · ٥٢:١٨
- حديث «ما قبلي مدخل» · رواه ابن حبان (٣١١٣) والحاكم، حسن عند الألباني · ٥٣:٥٢
- رؤيا سمرة بن جندب · رواه البخاري (١٣٨٦، ٧٠٤٧)، صحيح · ١:١٨:٢٩
- خطاب القبر للميت «مرحبًا وأهلًا» و«القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» · ذكرهما الشيخ، وهما في حديث رواه الترمذي (٢٤٦٠)، ضعيف جدًا عند الألباني
- بيت كعب بن زهير «كل ابن أنثى وإن طالت سلامته» · من قصيدته «بانت سعاد»
- الحلقة القادمة · أحوال الناس عند الخروج من القبور
اقتباسات تستحق الحفظ
"الثبات من الله: كم من إنسان ذكي وعاقل وفاهم، يُحال بينه وبين أن يجيب."
"نحن الآن حاملون، وغدًا محمولون."
"كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامتُه، يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ."
"القبر صندوق العمل: كل عمل بتعمله الآن بيترسل هناك وبينتظرك."
"مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ"
"تكرهون الموت لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فتكرهون أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب."
"عبادة في الظلام تضيء لك ظلام القبر، ودمعة في الخلوات تضيء لك ظلام القبر."
