الرئيسيةفاهم ← أمهات خبائث القلب (٣): الكبر، مع الشيخ أسد…
فاهم

أمهات خبائث القلب (٣): الكبر، مع الشيخ أسد الدين الأيوبي

الكبر بطر الحقّ وغمط الناس، وبابه نسيان ضعفك. والذلّ حرام زيّه، والتواضع بينهم.

⏱ يُقرأ في ١٨ دقيقة

الخلاصة في سطرين

خاتمة السلسلة. الشيخ بيفتح بتصحيح: رجل فهم إن حبّه للهندام كبر، فردّ النبي ﷺ «إن الله جميل يحب الجمال»، وبعدين حدّه بجملتين: «الكبر بطر الحقّ وغمط الناس». وبيرجّع بابه لسورة العلق، سورة الضعف: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ ۝ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾، فنسيان ضعفك هو الباب. وأهم تمييز فيها: الكبر متعلّق بالذات، والعجب متعلّق بالعمل، والاتنين بيدوروا حول «أنا». وأنفع جزء تصحيحي: الذلّ للخلق حرام زيّ الكبر بالظبط، والتواضع بينهم، لدرجة إن التكبّر على المتكبّر مطلوب. وبيقفل باختبارات عملية، وبأربعة أدوية مشتركة للسلسلة كلها.

الكبر، والذلّ، والتواضع بينهما

خريطة الحلقة في ٣ خطوات.

أنفع ما في الحلقة أنها تصحّح خريطة خاطئة عند أغلب الناس: أن مقابل الكبر هو التواضع. لا. مقابل الكبر هو الذلّ، وكلاهما محرّم، والتواضع هو الوسط. وغياب هذا التمييز يجعل أناسًا يسمّون مظاهر الذلّ تواضعًا، ويقبلون الظلم على أنفسهم باسم الدين.

الطرف الأول: الكبر

بطر الحقّ وغمط الناس: إنك ترفض الحقّ وتحتقر الخلق. وهنا انت بتلغي حقّ الآخر، وبتنازع الله فيما اختصّ به: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار». وأخطر صوره التكبّر على أمر الله نفسه، لأن رفضك أن تردّ الحقّ لصاحبه هو في الحقيقة رفضٌ لمن أمرك أن تردّه.

الطرف الآخر: الذلّ، وهو محرّم أيضًا

المقابل المضبوط للكبر. إذا كان الكبر بطر الحقّ، فالذلّ قبول الباطل. وإذا كان الكبر غمط الناس، فالذلّ غمط النفس: أن تنزل بنفسك عن الرتبة التي جعلها الله لك، فتقبل الإهانة والسبّ والاعتداء على عرضك. ويرفض الشيخ المثال المشهور «امسح البصقة وقل هذه لي فماذا لله»، ويقول إن فيه تلبيسًا خطيرًا.

الوسط: التواضع

أن تقبل الحقّ ولو كان مرًّا ولو كان عليك، وأن تُنزل الناس منازلهم: العالم له تعامل والجاهل له تعامل، والغني والفقير كذلك. ومن مقتضاه أن تتكبّر على المتكبّر، لأن هذا إنزال له منزلته. والغاية أن تكسر شهوتين لا واحدة: شهوة الكبر، وشهوة الذلّ.

لمن هذه الحلقة؟

من يصعب عليه أن يقول «انت صح وأنا غلط»هذا أول اختبار يذكره في الحلقة: تناقش شخصًا، فيتبين لك أن الحقّ معه، فتجد في نفسك ثقلًا أن تعلنها. يقول الشيخ إن هذا كبر دفين مباشرةً.
من يتعامل مع متكبّرينالجزء الذي سيفاجئك: التواضع للمتكبّر ليس تواضعًا، بل ذلّ محرّم، والواجب أن تتكبّر عليه، لأنك لو تواضعت له زدته كبرًا.
من يطلب علمًاقسم كامل عن الكبر بالعلم، والشيخ يقول «ما أكثر الكبر في العلماء»، وإن العلم أعظم الأوصاف منزلة. والمعيار: العلم الذي لا يورّث خشية وتواضعًا ليس علمًا نافعًا، وصاحبه أليق به أن يتسمّى جاهلًا.
من تابع السلسلة من أولهاآخر ربع ساعة فيه العلاج المشترك للأمراض الثلاثة: قلّة الطعام، وقلّة المنام، وإدمان الذكر، ومصاحبة الصالحين. هذا الجزء الذي يختم السلسلة كوحدة واحدة.

الأفكار الرئيسية

الباب في سورة العلق، سورة الضعف1:19 ↗
يردّ الشيخ الكبر إلى آية واحدة: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ ۝ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ [العلق: ٦ و٧]. نسيان الإنسان لضعفه هو ما يوصله إلى الكبر. والسورة التي فيها أول ما نزل من الوحي هي نفسها التي فيها تشخيص الطغيان.
المدخل بتصحيح: جاء رجل فقال إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، ظانًّا أن هذا هو الكبر. فردّ النبي ﷺ: «إن الله جميل يحبّ الجمال»: الشيء الذي خاف منه محبوب لله أصلًا. ثم حدّه: «الكبر بطر الحقّ وغمط الناس» (رواه مسلم عن ابن مسعود، وهو صحيح). والشيخ سمّى السائل ثابت بن قيس، والرواية لا تسمّيه.
﴿قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. ويقول الشيخ إن شُعَب الذنوب كلها ترجع في الغالب إلى الحسد والكبر، وإن الكبر يدور دائمًا حول «أنا».
تمييز بيتكرّر الخلط فيه: العجب متعلّق بالأعمال، بشيء على أرض الواقع عملته. والكبر قاصر على الذات: إنك تشوف في نفسك من صفات الكمال ما يجعل ذاتك أفضل من ذات غيرك. فالعجب بالفعل، والكبر بالوصف.
أعلاها التكبّر على الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ومثاله فرعون. ثم التكبّر على الرسل: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. ثم التكبّر على العباد، وهو من يرى لنفسه عليهم درجة.
أقسى قصة في الحلقة، وهي مما يرويه الإخباريّون بلا إسناد. ملك من ملوك غسّان أسلم، وحجّ مع عمر، فداس فزاريّ على إزاره فلطمه فشجّ وجهه وكسر ثنيّته. فقال عمر: إمّا أن تستسمحه وإمّا أن يقتصّ منك. فقال: كيف يقتصّ مني وأنا ملك وهو سُوقة؟ فقال عمر: إن الإسلام قد سوّى بينكما. قال: إذًا أتنصّر. وهرب ليلًا للشام. وبعدين ندم وقال شعرًا: «تنصّرتُ الأشرافَ من عارِ لطمةٍ… ويا ليتني أرعى المخاضَ بقفرةٍ»، ومات على نصرانيّته.
رجل أكل بشماله عند النبي ﷺ فقال له: «كُلْ بيمينك». قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعتَ». يقول الراوي: ما منعه إلا الكِبْر. فما رفعها إلى فيه (أخرجه مسلم في صحيحه). ويقف الشيخ عند أن الرفض لم يكن للأكل، بل لمن قال.
يقولها صراحةً: ما أكثر الكبر في العلماء، لأن العلم أعظم الأوصاف منزلةً في قلوب الخلق. فيصل الأمر بصاحبه ألا يزور الناس ولا يعود مرضاهم، وأن الناس هي التي يجب أن تأتي إليه. والقاعدة التي نقلها عن السلف: لا تُقتلع جذور الكبر من القلب حتى يقبل الحقّ ممن هو دونه، ولو من صبيّ.
المعيار: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾ [فاطر: ٢٨]. فالعلم يورث الخشية، والخشية تورث التواضع. واللي يتكبّر بعلمه أليق به أن يُسمّى جاهلًا، لأنه حصّل رسوم العلماء وما حصّلش حقيقة العلم. ومعاه استعاذة النبي ﷺ «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».
السؤال الذي يهدّ الباب كله: أنت تتكبّر بالعلم أو الجمال أو القوة أو المال أو الجاه. حسنًا، هل هذا الكمال من كسبك، أم هبة من الله؟ فلو كان من كسبك لقلنا بارك الله فيك تكبّر. ويضيف أن الكبر يلغي مقام الشكر أصلًا، لأنه ينسب النعمة إلى النفس.
المقابلة الأوضح في الحلقة. قارون: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾ [القصص: ٧٨]، أنا تعبت وأنا شقيت. وسليمان، وقد أُوتي ملكًا لم يُؤتَه أحد، سمع كلام نملة فـ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩]. والشيخ بيلاحظ إنه ما ردّش على النملة أصلًا، ردّ على ربّه بالشكر.
القاعدة التي تقتل العُجب من جذوره: قال ﷺ «لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضل» (رواه مسلم، وهو صحيح). ومعاها أثر العابد، فقيل: ادخلوه الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي، فوُزنت عبادته بنعمة البصر وحدها فرجحت النعمة. (قال الشيخ ثلاثمئة سنة، والمرويّ خمسمئة عند الحاكم، وضعّفه الذهبي والألباني).
المشهد المقابل تمامًا. يحكي أنس رضي الله عنه: «إن كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت» (رواه البخاري في باب الكبر، وهو صحيح). رئيس دولة، ونبيّ، وامرأة مملوكة تمسك يده وتمشي به لحاجتها. وزاد الشيخ «في سكك المدينة»، وليست في لفظ البخاري.
علامة عملية من علامات المتكبّرين: ألا يحمل حاجته بيده. وعليّ رضي الله عنه اشترى تمرًا فعرض عليه غلام أن يحمل عنه، فقال: أبو العِيال أحقُّ أن يَحمِل. ويحكي عن شيخ يمنيّ كان طلابه يتسابقون ليحملوا عنه فيأبى، حتى لا يستعمل من جاءه طالبًا للعلم.
المعاملة بنقيض القصد في أوضح صورها: «يُحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذَّرّ في صور الرجال، يغشاهم الذلّ من كل مكان» (رواه الترمذي، وقال: حسن). والشيخ رواه بالمعنى: «كالذَّرّ، يطؤهم الناس بأقدامهم». واللي كان منتفخًا في الدنيا، بيتحوّل لأصغر ما يُرى. ومعاه الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار» (رواه أبو داود، وهو صحيح).
«بينما رجلٌ يمشي في حُلّةٍ تُعجبه نفسُه، مُرَجِّلٌ جُمّتَه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» (متفق عليه واللفظ للبخاري). ورواه الشيخ بالمعنى: «يجرّ ثوبه خيلاء». ويقابلها بموقف أبي بكر حين قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، فقال: «لستَ ممن يَصنعه خُيَلاء»، فالقضية متعلّقة بالقلب لا بالثوب.
أنفع تصحيح في الحلقة كلها. لو الكبر «بطر الحقّ»، فالذلّ قبول الباطل. ولو الكبر «غمط الناس»، فالذلّ غمط النفس. يعني إنك ترضى بالظلم والاعتداء على حقّك وعرضك. والذلّ للخلق حرام على المسلم زيّ الكبر بالظبط، وأما الذلّ لله فهو عين العبودية، والتواضع هو الوسط بينهم.
سؤال عميق وجوابه أعمق: لو كان الإنسان لا يخطئ لتجبّر، لأن مادته مؤهّلة لذلك. فالذنب رحمة، لأنه يكسره ويعيده إلى ضعفه. وينشد: «ورُبّ شخصٍ للهلاكِ يعدو / في طرقِ النجاةِ فيما يبدو // يعملُ بالطاعاتِ ثم يُعجَبُ / بها فيُبعَدُ بها ويُحجَبُ». والعكس: «ورُبّ شخصٍ حالُه بعكسِ ذاك / يعدو إلى النجاةِ في طرقِ الهلاك».
صورة خفيّة لا يحسبها أحد كبرًا: أن تقطع إنسانًا عمّا قبل ذنبه وعمّا بعده، فتجمّده في الصورة التي رأيته فيها. ويضمّ الشيخ إليها أختها: أن تستعظم هداية الخلق، فترى شخصًا بذنوب معيّنة فتظنّ أنه لا يُغفر له ولا يُهدى. ويسمّي هذه «تألّيًا على الله»، ودافعها كبر على عباده.
رأى في ابنه تعاظمًا، فقال له: أتدري من أمّك؟ أمّك اشتريتُها بمئتي درهم (ذكرها أبو نعيم في صفة الصفوة). وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين من أمثاله. ويعلّق الشيخ: هذا هضم النفس، وهذا هو التواضع. ومعها كلمة الحسن البصري: «التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيتَ له عليك فضلًا»، وقد نسبها الشيخ لابن واسع.
النتيجة العملية للتصحيح السابق، وهي أغرب ما في الحلقة لأول وهلة. لو تواضعت للمتكبّر زدته كبرًا، فالواجب أن تتكبّر عليه، وهذا إنزال له منزلته الشرعية. ونقل عبارة سائرة: «التكبّر على المتكبّر صدقة»، وهي ليست بحديث. ومن المنظومة: «والذُّلّ والضَّعةَ جنّبْ واحذرِ / واكْبُرْ على الغنيّ والمستكبرِ».
وينشد: «ومن لأهل مذهبٍ تعصّبا / كان لمخطئهم مصوّبا // وخطّأ المصيبَ من سواهم / فاقهم في العلم أو ساواهم». أي ما دام من فريقي فهو مصيب ولو أخطأ، ومن الفريق الآخر مخطئ ولو أصاب. ويقول الشيخ إن أكثر ما يقود إلى التعصّب هو الكبر: أن ترى نفسك فوق أن تقبل الحقّ من غيرك.
أول وأدقّ اختبار عملي. تناقش حدًّا، ويلوح لك إن الصواب معاه، فلو لقيت في نفسك تثاقلًا إنك تقول «كلامك صحيح وأنا أتراجع»، فاعلم إن في نفسك كبرًا دفينًا. والشيخ بيلاحظ إن مواقع التواصل بتضاعف ده، لأن الجمهور قاعد يتفرّج وعدّاد اللايكات شغّال.
المقياس الذي يريك المسافة: كان يقول «ما ناظرتُ أحدًا إلا ولم أُبالِ: بيّن الله الحقَّ على لساني أو لسانِه» (حلية الأولياء، بإسناد صحيح)، وكان يقول: «وددتُ أن الناس تعلّموا هذا العلم ولم يُنسب إليّ منه حرف». والمقابلة التي يضربها: أحدهم يأخذ منشورك وينشره باسمه، فتنزل تعلّق فورًا تطالب بنسبته إليك.
في محفل أو عرس، حاول تقدّم زمايلك عليك وتقول «تفضّل». فلو لقيت في نفسك كراهة، وإنك بتحبّ تكون في الصدر ومكان كبار الضيوف، فده كبر في القلب. ومعاه اختباران تانيان: تحمل متاعك بنفسك، وتنزل من عربيتك لما حدّ يكلّمك بدل ما تكلّمه من الشباك وانت قاعد.
أوضحها. يدعوك فقير وأنت تعلم أن لا شيء عنده، والحاضرون كلهم فقراء. فإن وجدت نفسك تأنف من إجابة دعوته، وتنشط لدعوة الغنيّ وتتزيّن لها، فاعلم أن فيك كبرًا دفينًا. والمعيار النبوي: «لو دُعيتُ إلى ذراعٍ أو كُراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليّ ذراعٌ أو كُراعٌ لقبلت» (رواه البخاري، وهو صحيح).
لما اتسأل عن العلاج، قال: ملازمة هذا الثغر وقرع أبوابه ﷺ، والولوج للمدرسة المحمدية. يعني ما تقراش في الكبر، اقرا في أخلاقه هو. أنس خدمه تسع سنين، «فما قال لشيءٍ فعلتُه: لِمَ فعلتَه، ولا لشيءٍ لم أفعله: لِمَ لم تفعله». وعائشة تحدّثه بخبر أم زرع، خبر طويل، وهو متفاعل جالس يسمع. وفي ناس بتتكبّر عن سماع زوجتها أو أولادها.
أقوى صورة في الحلقة. مريض تعب سنين حتى وجد طبيبًا، وتعب الطبيب في الفحوصات حتى عرف العلّة، وكتب له تقريرًا بالأدوية والمواعيد. فرجع إلى البيت وقرأ التقرير، وكرّره ثانية وثالثة ورابعة، وحفظه، وصار يقرؤه صباحًا ومساءً. فهل يذهب عنه المرض؟ ويصلها بجملة أقسى: «أغلب الناس، وأنا واحد منهم، نخرج من بيوتنا بغير إيماننا».
المقابل التطبيقي لكل الكلام. كان أبو هريرة رضي الله عنه أميرًا على المدينة، وكان يشتري الحطب ويحمله على ظهره ويمشي في الطريق، ويقول لمن يمشي أمامه: وسّعْ للأمير، وسّعْ للأمير. الأمير هو الذي يحمل الحطب. ويعلّق الشيخ: هؤلاء متخرّجون من المدرسة المحمدية، التي لا يتخرّج منها إلا متواضع.
مرّ المهلّب بن أبي صفرة مختالًا، فوعظه مالك بن دينار، فقال له: أما تعرفني؟ فقال: بلى، أعرفك. أوّلك نُطفةٌ مَذِرة، وآخرك جِيفةٌ قَذِرة، وأنت بينهما تحمل العَذِرة (ذكره أبو نعيم في الحلية والذهبي في السير). والشيخ نسبها للحسن البصري. وهي بالظبط علاج الكبر عنده: الرجوع للمادة الأصلية، ﴿مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۝ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ﴾ [عبس: ١٨ و١٩].
دواء حلقة الحسد نفسه. إن دعتك نفسك ألّا تردّ السلام، فرحّب وسلّم. وإن ظهر لك في النقاش أنك مخطئ، فاكتب فورًا: بارك الله فيك، ظهر لي خطئي وأنت على صواب. والنفس تريد خلاف هذا تمامًا، فتتمادى في المماراة على الباطل.
أفضل صورة عن المجاهدة في السلسلة كلها. الصاروخ يحترق وقوده كله وهو يقاوم الجاذبية. فإذا خرج خارج مجالها، تحرّك في مداره باحتراق يقارب الصفر. والمجاهدة كذلك: البدايات ليست كالنهايات، وحين تتحرّر يصير ترك الكبر والحسد والرياء هيّنًا على النفس.
الجزء الذي يختم الحلقات الثلاث كوحدة واحدة: قلّة الطعام، وقلّة المنام، وإدمان الذكر، ومصاحبة الصالحين. ويعلّق هلال السيد أن الذكر والصحبة متوقّعان، لكن الطعام والنوم خارج الصندوق. والربط: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (متفق عليه)، ويعقّب: فضيّقوا عليه بالصوم.
الشقّ الأغرب في العلاج. يُذكر عن عائشة رضي الله عنها: «أول بدعةٍ كانت بعد رسول الله ﷺ الشِّبَع»، وهي مشهورة في قوت القلوب والإحياء بلا إسناد ولا تثبت. والشافعي: ما شبعتُ منذ ستّ عشرة سنة، وبيعدّد الشيخ من آفات الشبع إنه يُطفئ نور القلب، ويُقعد عن الذكر، ويمنع من قيام الليل، ويورث قسوة القلب. والقاعدة النبوية: «بحسب ابن آدم أُكُلاتٌ يُقمن صُلبَه» (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح).
أذكى دليل عملي على العلاقة بين الطعام والمعصية. جرّب في رمضان وأنت صائم، قبل المغرب بعشر دقائق: قِس نشاطك للذنوب. ستجده صفرًا. ويشرح الميكانيكا: القلب يستعين بالجوارح على الذنب، والغيبة والكذب والكبر والغضب والحسد كلها تحتاج بدنًا قويًّا. فإذا ضعف البدن قالت الجوارح: «حِلّ عني، أنا مش قادر».
تفصيلة صغيرة لها معنى كبير. كان ﷺ يأكل مستوفزًا، رِجلٌ تحت ورِجلٌ قائمة، ونهى عن الأكل متكئًا. وحين سُئل الحسن البصري عن الحديث قال: إنما نُهي عن الاتّكاء في الأكل لكي لا تعظم بطونهم. أي إن الجلسة نفسها كانت تضييقًا على البطن. ويقابلها بعادتنا: أول ما نجلس للأكل نفكّ الحزام.
الصورة التي يلخّص بها تعامل السلف: من يعرف الألغام معه جهاز، ويمشي ببطء وتركيز، فيجتاز الحقل. ومن لا يعرف يظن أن السرعة هي الحلّ، فيدوس أول لغم فيتوقف. ويقول إن هذه كانت حالهم مع الطعام: أخذٌ بقدر ما يكفي، بلا زيادة. ويضيف أن الطعام يجب أن يكون قليلًا وحلالًا: «أطِبْ مطعمك تستجب دعوتك».
الثاني من الأربعة. لو عشت ٦٠ سنة وأنت تنام ٨ ساعات كل يوم، فقد خُصم من عمرك ٢٠ سنة نومًا. ويقول الشيخ إن النوم في ذاته تعطيل، وإنه لذّة وشهوة من شهوات البدن تنشّطك للفتن وتقوّي الشيطان عليك. والقدر الذي يوصي به: من ست إلى ثماني ساعات، وهو ما يحتاجه البدن.

كيف تعيشها في يومك

خطواتك أنت، كل خطوة موصولة بدقيقتها.

  • في أي نقاش، حين يظهر لك أن الحقّ مع الطرف الآخر، قلها له صراحةً وفورًا، وثقلُها على نفسك هو المؤشّر 1:07:37 ↗
  • في أي مجلس، قدّم أقرانك عليك، وراقب إحساسك وأنت تفعل لا نتيجة الفعل 1:10:41 ↗
  • احمل متاعك بنفسك، وانزل من عربيتك لما حدّ يكلّمك، «من حمل متاعه ذلّ» قاعدة السلف في الاتجاه العكسي 1:11:35 ↗
  • اقبل دعوة الفقير قبل دعوة الغني، «لو دُعيتُ إلى ذراعٍ أو كُراعٍ لأجبت» 1:15:03 ↗
  • لو قابلت متكبّرًا فلا تتواضع له، ابدأ بالاستغناء، فلو ثبت تواضعه نزلت له 1:03:20 ↗
  • حين تجد نفسك تتعصّب لفريق، اسأل: هل أصوّب مخطئهم وأخطّئ مصيب غيرهم؟ هذا كبر لا ولاء 1:04:10 ↗
  • جرّب في رمضان قبل المغرب بعشر دقائق: قِس نشاطك للمعصية، ستجده صفرًا. هذه أوضح علاقة بين البطن والذنب 1:36:20 ↗
  • قلّل طعامك ونومك، «الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»، والشيخ يقول: فضيّقوا عليه بالصوم 1:34:35 ↗
  • الزم الذكر والصحبة الصالحة، فهذا العلاج المشترك للأمراض الثلاثة لا للكبر وحده 1:46:19 ↗
  • نم القدر الذي يحتاجه البدن، من ست إلى ثماني ساعات، ٨ ساعات على مدى ٦٠ سنة = ٢٠ سنة نوم 1:45:26 ↗
مذكور في الحلقة (٨)
  • خاتمة السلسلة · ثلاث حلقات: الرياء ثم الحسد ثم الكبر. ويقول الشيخ إن شُعَب الذنوب كلها ترجع في الغالب إلى الحسد والكبر، وإن الثلاثة يأخذ بعضها بحُجَز بعض
  • جبلة بن الأيهم · آخر ملوك الغساسنة، والقصة مشهورة في كتب الأدب والتاريخ بلا إسناد، وأوسع نصوصها متأخرة. والأبيات «تُنسب إليه». وابن عساكر والواحدي وسعيد بن عبد العزيز ينصّون على أنه لم يُسلم أصلًا، وهذا ينقض فرضية الردّة التي تقوم عليها القصة
  • الأربعة أدوية · الأصل عند علماء السلوك: قلّة الطعام، وقلّة المنام، وقلّة الكلام، وقلّة الأنام. ويغيّر الشيخ الاثنتين الأخيرتين في هذه الحلقة: يضع إدمان الذكر مكان قلّة الكلام، ومصاحبة الصالحين مكان قلّة الأنام، أي عكسها تمامًا
  • حديث مجرى الدم · «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه (البخاري ٣٢٨١، مسلم ٢١٧٥، عن صفية). أما زيادة «فضيّقوا مجاريه بالجوع» فقال عنها الألباني: لا أصل له في شيء من كتب السنة، وعدّها العجلوني مُدرجة. والشيخ في الحلقة قال «فضيّقوا عليه بالصوم»
  • موريتانيا مرة أخرى · يعود إلى رحلته في الحلقة الأولى، ويقول إن أهلها يقلّلون من الطعام والشراب، وإن هذا عنده أصل من أصول التزكية لا عادة محلّية
  • مطهّرة القلوب · منظومة الشيخ محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي الشنقيطي نفسها التي رجع إليها في حلقة الرياء. وبيت «والذُّلَّ والضَّعةَ جنِّبْ واحذرِ / واكْبُرْ على الغنيِّ والمستكبرِ» هو البيت ١٥٧ منها. أما بيتا «ورُبّ شخصٍ للهلاك يعدو» و«ومن لأهل مذهبٍ تعصّبا» فليسا في المنظومة، ولم يسمِّ لهما الشيخ مصدرًا
  • «التكبّر على المتكبّر صدقة» · عبارة سائرة، وليست بحديث كما نصّ العجلوني في كشف الخفاء. ونحوها مأثور عن الشافعي: «تكبَّرْ على المتكبِّر مرتين»
  • أحوال العبد الأربعة · تقسيم الكبر والتواضع والضَّعة الذي تقوم عليه الحلقة هو تقسيم الناظم نفسه في شرحه: «فأحوالُ العبدِ أربعةٌ: كِبْرٌ وضَعَةٌ وهما رديئان، وتواضعٌ وعِزَّةٌ وهما حسنان... والتواضعُ قصدٌ بين كِبْرٍ وضَعَة»

اقتباسات تستحق الحفظ

"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس."
النبي ﷺ · رواه مسلم، وهو صحيح. ساقه الشيخ أسد الدين الأيوبي 3:06 ↗
"كيف يقتصّ مني وأنا مَلِك وهو سُوقة؟"
جبلة بن الأيهم · من قصة يرويها الإخباريون. حكاها الشيخ أسد الدين الأيوبي 12:34 ↗
"التواضعُ أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيتَ له عليك فضلًا."
الحسن البصري · من التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، نقله الشيخ أسد الدين 58:03 ↗
"لو تواضعتَ للمتكبّر زدتَه كِبْرًا."
الشيخ أسد الدين الأيوبي 1:00:19 ↗
"ما ناظرتُ أحدًا إلا ولم أُبالِ: بيَّنَ اللهُ الحقَّ على لساني أو لسانِه."
الإمام الشافعي · من حلية الأولياء. نقله الشيخ أسد الدين الأيوبي 1:08:29 ↗
"أوّلك نُطفةٌ مَذِرة، وآخرك جِيفةٌ قَذِرة، وأنت بينهما تحمل العَذِرة."
مالك بن دينار · قاله للمهلّب بن أبي صفرة. نقله الشيخ أسد الدين الأيوبي 1:24:43 ↗

الموجز ده كان مفيد؟

النشرة

متفوّتش أي موجز جديد.

اشترك، ونبعتلك كل موجز جديد أول ما ينزل على إيميلك. من غير إزعاج.

بنحترم خصوصيتك، تقدر تلغي الاشتراك في أي وقت.
تمام! سجّلنا إيميلك، هنكلّمك أول ما ينزل موجز جديد.
هذا الموجز من إنتاج «موجز» بالذكاء الاصطناعي مع مراجعة تحريرية بشرية، وهو دعوة للاستماع لا بديل عنه.
كل الحقوق للمصدر الأصلي: الحلقة كاملة على قناة فاهم ↗
💡 اقترح حلقة